الثعلبي

129

الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )

ثم ذكر مناقبهم فقال : تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ إلى لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً . الآية . قال مقاتل : إنّ رؤوس اليهود كعبا وعديا والنعمان وأبا رافع وأبا ياسر وكنانة وأبو صوريا عمدوا إلى مؤمنيهم عبد اللّه بن سلام وأصحابه : فآذوهم لإسلامهم ، فأنزل اللّه تعالى لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً يعني لن يضركم أيها المؤمنون هؤلاء اليهود إلّا أذى باللسان يعني وعيدا وطعنا . وقيل : دعاء إلى الضلالة . وقيل : كلمة الكفر إن يسمعوها منهم يتأذّوا بها وَإِنْ يُقاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الْأَدْبارَ منهزمين ، وهو جزم بجواب الجزاء ، ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ استأنف « 1 » لأجل رؤوس الآي لأنها على النون ، كقوله وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ « 2 » . تقديرها : ثم هم لا ينصرون . وقال في موضع آخر : لا يُقْضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا « 3 » ؛ إذ لم يكن رأس آية . قال الشاعر : ألم تسأل الربع القديم فينطق أي فهو ينطق . قال الأخفش : قوله لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلَّا أَذىً استثناء خارج من أول الكلام ، كقول العرب : ما اشتكى شيئا إلّا خيرا ، قال اللّه تعالى لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً . إِلَّا حَمِيماً وَغَسَّاقاً « 4 » ولأن هذا الأذى لا يضرهم . ومعناه لكن آذى . ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ ما ثُقِفُوا : حيثما وجدوا ولقوا ، يعني : حيث ما لقوا غلبوا واستضعفوا وقتلوا فلا يؤمنون إِلَّا بِحَبْلٍ : عهد من اللّه وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ : محمد والمؤمنين يردون إليهم الخراج فيؤمنونهم . وفي الكلام اختصار ، يعني : إلّا أن يعتصموا بحبل ، كقول الشاعر : رأتني بحبليها فصدّت مخافة * وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق أي أقبلت بحبليها . وقال آخر : حنتني حانيات الدهر حتى * كأني خامل أدنو لصيد قريب الخطو يحسب من رآني * ولست مقيدا أني بقيد

--> ( 1 ) أي جعلت ثُمَّ استئنافية لا عاطفة ، ولو جعلها عاطفة لجزم الفعل بعدها . ( 2 ) المرسلات : 36 . ( 3 ) فاطر : 36 . ( 4 ) النبأ : 25 .